3.8 سبب ورود القرآن على سبعة أحرف


سبب ورود الحديث
عزيزي الدّارس: هذه الأشياء ذكرها العلامة ابن الجزري -رحمه الله تعالى- وقد أجاب عنها واحدًا تلو الآخر.
قال -رحمه الله-: فأمَّا سبب وروده على سبعة أحرف؛ فللتَّخفيف على هذه الأمَّة، وإرادة اليسر بها، والتَّهوين عليها، شرفًا لها، وتوسعةً ورحمةً، وخصوصيَّة لفضلها، وإجابةً لقصد نبيها أفضل الخلق، وحبيب الخلق؛ حيث أتاه جبريل فقال له: إنَّ الله يأمرُك أن تُقرئَ أمتكَ القرآنَ على حرفٍ. فقال -صلَّى الله عليه وسلَّم-: ((أسألُ اللهَ معافاتَه ومعونَته؛ أنَّ أمَّتي لا تُطيق ذلك...)) . ولم يزل يردُّ المسألة؛ حتى بلغ سبعةَ أحرف.
وفي "الصَّحيح" أيضًا: ((إنَّ ربِّي أرسلَ إليَّ: أنِ اقرأ القرآنَ على حرفٍ؛ فرددتُ إليه أنْ هَوِّن على أمَّتي؛ ولم يزل يُردِّد حتى بلغَ سبعةَ أحرُف)).

3.8 سبب ورود القرآن على سبعة أحرف


وكما ثبت صحيحًا: ((إنَّ القرآنَ نزلَ من سبعةِ أبوابٍ على سبعة أحرف، وإنَّ الكتابَ قبلَه كان ينزل من بابٍ واحدٍ على حرفٍ واحدٍ)). وذلك أنَّ الأنبياء -عليهم السلام- كانوا يُبعثون إلى قومهم خاصّةً، والنبي -صلى الله عليه وسلم- بُعث إلى جميع الخلق: أحمرِها، وأسودِها، عربيِّها، وعجميِّها، وكانت العرب الذين نزل القرآن بلغتهم: لغاتهم مختلفة وألسنتهم شتَّى، ويعسُر على أحدهم الانتقال من لغته إلى غيرها، أو من حرفٍ إلى آخر.
بل قد يكون بعضُهم لا يقدر على ذلك، ولا بالتَّعليم والعلاج؛ لا سيَّما الشيخ والمرأة، ومَن لم يقرأ كتابًا -كما أشار إليه، صلَّى الله عليه وسلم- فلو كُلِّفوا العدولَ عن لغتهم، والانتقالَ عن ألسنتهم؛ لكان من التَّكليف بما لا يُستطاعُ، وما عسى أن يَتكلف المتكلِّف وتأبى الطِّباعُ؛ ولذلك اختلف العلماءُ في جواز القراءة بلغةٍ أخرى غيرِ العربيَّة، على أقوال: ثالثها: إن عجز عن العربي جاز؛ وإلا فلا.

3.8 سبب ورود القرآن على سبعة أحرف


قال العلامة ابن الجزريِّ -رحمه الله-: وليس هذا موضوعَ التَّرجيح. قال الإمام أبو محمد عبد الله بن قتيبة في كتاب (المشكل): فكان من تيسير الله تعالى، أن أمر نبيَّه -صلى الله عليه وسلم- بأن يُقرِئ كلَّ أمةٍ بلغتهم، وما جرت عليه عادتُهم؛ فالهُذَليُّ يقرأ: "عَتَّى حين"، يُريد: "حتَّى". هكذا يلفظ بها ويستعملها. والأُسديُّ يقرأ: "تِعلمون"، و"تِعلم"، و"تِسْوَدُّ وُجُوه"، و"ألم إعهد إليكم". وهذا بدلًا من: ((تَعْلَمُون)) ، و ((تَعْلَمْ)) ، وَ ((تَسْوَدُّ وُجُوه)) [آل عمران: من الآية: 106]، ((أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ)) [يس: من الآية: 60]، والتَّميميُّ يهمز، والقرشيُّ لا يهمز، والآخر يقرأ: "قِيلَ لَهُم" (البقرة: من الآية: 11)، "وغِيضَ الْمَاء" (هود: من الآية: 44)، بإشمام الضَّمِّ مع الكَسرة: "بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ" [يوسف: من الآية: 64] بإشمام الكسر مع الضم. "قيل" و"غِيضَ" هذه القراءات فيها قراءات صحيحة، أما "بِضَاعَتُنَا" الإشمام فيها؛ فهو قراءة شاذة، لم يقرأ بها أحدٌ من القراء العشرة.
ثم قال -رحمه الله-: قال ابنُ قُتيبة: ولو أراد كلُّ فريقٍ من هؤلاء أن يزولَ عن لُغته، وما جرى اعتيادُه طفلًا وناشئًا وكهلًا؛ لاشتدَّ ذلك عليه، وعظُمت المحنة فيه؛ ولم يُمكنه إلا بعد رياضةٍ للنَّفس طويلة، وتذليلٍ للِّسانِ وقطعٍ للعادة، فأنزل الله برحمته ولطفه أن يجعل لهم مُتَّسَعًا في اللُّغات، ومُتَصرَّفًا في الحركات كتيسيره عليه في الدِّين.